مذهب ماركس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مذهب ماركس

مُساهمة من طرف أبو الليل في الأربعاء مارس 12, 2008 11:11 am

الماركسية هي منهج أفكار ماركس ومذهبه. لقد تابع ماركس وأتم على نحو عبقري التيارات الفكرية الرئيسية الثلاثة في القرن التاسع عشر والتي تعزى إلى البلدان الثلاثة الأكثر تقدما في العالم: الفلسفة الكلاسيكية الألمانية والاقتصاد السياسي الكلاسيكي الانجليزي والاشتراكية الفرنسية المرتبطة بالتعاليم الثورية الفرنسية بوجه عام. إن ما تتصف به أفكار ماركس من منطق رائع وانسجام تام إنما يعترف به له حتى خصومه. وتؤلف أفكار ماركس بمجموعها المادية الحديثة والاشتراكية العلمية المعاصرة بوصفها نظرية الحركة العمالية وبرنامجها في جميع البلدان المتمدنة في العالم. كل هذا يحملنا على أن نقدم لعرض المضمون الرئيسي للماركسية، مذهب ماركس الاقتصادي، بلمحة موجزة عن مفهموه للعالم بوجه عام.
المادية الفلسفية
كان ماركس قد أصبح ماديا منذ 1844–1845 أي في الفترة التي تكونت فيها أفكاره: لقد كان، بوجه خاص، من أتباع فيورباخ. ولم يقرأ ماركس بما عند فيورباخ من نقاط ضعف حتى فيما بعد إلا من حيث عدم الكفاية في منطق ماديته وشمولها. لقد كان يرى أن الشأن التاريخي العالمي لفيورباخ الذي "شغل دهرا" قائم بالضبط على مقاطعته النهائية لمثالية هيغل وتوكيده للمادية، هذه المادية التي "لم تكن في القرن الثامن عشر وخصوصا في فرنسا نضالا ضد المؤسسات السياسية الراهنة وكذلك ضد الدين واللاهوت وحسب بل أيضا... ضد كل ميتافيزية" (بمعنى "التأملات المخمورة" وبخلاف "الفلسفة المعقولة") (كتاب "العائلة المقدسة" في "التركة الأدبية")(1). وكتب ماركس أيضا:
« يرى هيغل أن حركة الفكر، هذه الحركة التي يشخصها ويطلق عليها اسم الفكرة، هي الاله (الخالق، الصانع)... أما أنا فإني أرى العكس: إن حركة الفكر ليست إلا انعكاسا لحركة المادة منقولة إلى دماغ الإنسان ومتحولة فيه » ("رأس المال" المجلد الأول. توضيح في آخر الطبعة الثانية)(2).
وعلى نحو تام الانسجام مع فلسفة ماركس المادية هذه كتب فريدريك انجلس عند شرحه لها في كتابه "ضد دوهرنغ" الذي قرأه ماركس قبل الطبع يوم كان مخطوطة:
« إن وحدة العالم ليست في كيانه... بل في ماديته. وهذه المادية قد أثبتها... تطور طويل وشاق للفلسفة وعلوم الطبيعة... الحركة شكل وجود المادة. لم يوجد قط ولا يمكن أن يوجد أبدا في أي مكان مادة بدون حركة ولا حركة بدون مادة... ولكن إذا تساءلنا... عن ماهية الفكر والمعرفة وعن مصدرهما نجد أنهما إنتاج الدماغ الإنساني وأن الإنسان نفسه هو نتاج الطبيعة الذي نما وتطور في محيط طبيعي معين ومع هذا المحيط. وإذ ذاك يغدو من البداهة أن نتاجات دماغ الانسان التي هي أيضا عند آخر تحليل نتاجات للطبيعة ليست في تناقض بل في انسجام مع سائر الطبيعة ».
« لقد كان كان هيغل مثاليا أي أن الأفكار في دماغه لم تكن في نظره إلا صور مجردة، (في الأصل: انعكاسات، يستعمل انجلس أحيانا كلمة 'نسخ') إلى هذا الحد أو ذاك، عن الأشياء والتطورات الواقعية. بل على العكس من ذلك فالأشياء وتطورها لم تكن في نظر هيغل إلا صورا تعكس الفكرة التي كانت موجودة، ولا أعلم أين، قبل وجود العالم »(3).
وقد كتب انجلس في مؤلفه "لودفيغ فورباخ" الذي عرض أفكاره فيه وأفكار ماركس حول فلسفة فورباخ والذي لم يدفعه إلى الطبع إلا بعد أن أعاد قراءة المخطوطة القديمة حول هيغل وفورباخ والمفهوم المادي للتاريخ الذي وضعها بالتعاون مع ماركس في 1844–1845 يقول:
« إن المسالة الاساسية العظمى في كل فلسفة ولاسيما الفلسفة الحديثة هي مسألة علاقة الفكر بالكائن أو علاقة العقل بالطبيعة... أيهما يسبق الآخر العقل أم الطبيعة... وكان الفلسفة تبعا لإجاباتهم على هذا السؤال قد انقسموا إلى معسكرين كبيرين: فأولائك الذين كانوا يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة ويقبلون على هذا النحو في آخر تحليل بخلق العالم أيا كان نوع هذا الخلق... ألفوا معسكر المثالية. والآخرون الذين كانوا يقررون تقدم الطبيعة انتموا إلى مختلف مدارس المادية.
وكل مفهوم آخر للمثالية والمادية – بالمعنى الفلسفي – ليس من شأنه إلا خلق البلبلة. وقد نبذ ماركس نبذا قاطعا، ليس فقط المثالية المقرونة أبدا إلى الدين، بشكل أو بآخر، بل نبذ أيضا وجهة نظر هيوم وكانط المنتشرة خصوصا في أيامنا هذه، والعجزية، والانتقادية، والمذهب الوضعي(4) بأشكالها المختلفة إذ أنه كان يعتبر هذا النوع من الفلسفة بمثابة تنازل "رجعي" أمام المثالية وفي أحسن الأحوال بمثابة « أسلوب جبان يقبل المادية في السر وينكرها في العلن. »(5) وبصدد هذا راجعوا رسالة ماركس إلى انجلز المؤرخة في 12 كانون الأول/ديسمبر 1868 التي يتحدث فيها عن محاضرة العالم الطبيعي الشهير توماي هكسلي ويلاحظ فيها أن هذا العالم قد ظهر « ماديا أكثر من العادة » واعترف « بأننا ما دمنا نلاحظ فعلا وما دمنا نفكر فلا نستطيع أن نخرج أبدا من المادية » ثم يتهمه ماركس بأنه « فتح بابا سريا » للعجزية ولنظرية هيوم. ومن المهم خصوصا أن نسجل رأي ماركس حول العلاقة بين الحرية والضرورة: « ليست الضرورة عمياء إلا ما دامت غير مفهومة. الحرية هي فهم الضرورة » (انجلس. "ضد دوهرنغ") وهذا يعني، إذن، الاعتراف بمطابقة الطبيعة للقوانين الموضوعية، وتحول الضرورة الديالكتيكي إلى حرية (كتحول "الشيء بذاته" وغير المدرك ولكنه قابل للادراك إلى "شيء لنا"، تحول "جوهر الاشياء" إلى "ظاهرات"). إن العيب الأساسي في المادية 'القديمة' وفي جملتها مادية فورباخ (بالأحرى المادية "المبتذلة" عند بوخنر وفوغت وموليشوت) هو في نظر ماركس وانجلس: أولا – إن هذه المادية كانت "في أساسها ميكانيكية" ولم تكن لتأخذ بعين الاعتبار آخر ما توصلت إليه الكيمياء والبيولوجيا (ومن المناسب أن نضيف إليها في أيامنا هذه النظرية الكهربائية للمادة). ثانيا – إن المادية القديمة لم تكن تاريخية ولا ديالكتيكية (كانت ميتافيزيقية بمعنى أنها ضد الديالكتيكية) ولم تكن تطبق وجهة نظر التطور من جميع نواحيها على نحو منسجم محكم الحلقات إلى النهاية. ثالثا – إنها تفهم "جوهر الإنسان" على نحو تجريدي لا بمثابة "مجموعة العلاقات الاجتماعية كافة" (التي يحددها التاريخ على نحو ملموس). وهكذا لم تقم إلا "بتفسير" العالم مع أن المقصود كان "تغييره" وبتعبير آخر إن المادية القديمة لم تكن تدرك شأن "النشاط العملي الثوري".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. انظر "العائلة المقدسة"، القسم الثامن، لماركس وانجلز.
2. "رأس المال"، ماركس وانجلز، المجلد الأول.
3. "ضد دوهرينغ"، فريديرك انجلز.
4. الغنوصية هي فلسفة مثالية تقر بأنه لا يمكن إدراك العالم وأن عقل الإنسان محدود وليس بمقدوره معرفة ما يتجاوز مملكة الحواس. وللغنوصية أشكال مختلفة: فيقر بعض الغنوصيين بالوجود الموضوعي للعالم المادي ولكنهم ينكرون إمكانية معرفته وينكر آخرون بوجود العالم المادي بحجة أن الإنسان لا يمكنه معرفة ما إذا يوجد شيء ما خارج حواسنا.
نقد – أطلق كانط هذا الاسم على فلسفته المثالية معتبرا القدرة الادراكية للإنسان هي الهدف من تلك الفلسفة. نقدية كانط قادته إلى الاقتناع بأن عقل الإنسان لا يمكنه معرفة طبيعة الاشياء.
الفلسفة الوضعية – نزعة واسعة الإنتشار في الفلسفة البرجوازية وعلم الاجتماع. أسسها الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي كونت (1798–1857). يرفض الوضعيون إمكانية إدراك النظم والعلاقات الداخلية وينكرون كذلك دور الفلسفة كمنهج للمعرفة وتغيير العالم الموضوعي. فهم يختزلون الفلسفة في حصيلة من المعطيات توفرها مختلف فروع العلم ووصف سطحي لنتائج الملاحظة المباشرة. تعتبر الوضعية نفسها أنها "فوق" المادية والمثالية إلا أنها في الواقع هي ليست إلا نوع من المثالية الذاتية.
5. "لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية" لفريدريك انجلز.

أبو الليل
عقيد
عقيد

عدد الرسائل : 69
تاريخ التسجيل : 15/01/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى